فخر الدين الرازي
241
المطالب العالية من العلم الإلهي
واعلم أن هذا الدليل مأخوذ من القرآن ، قال تعالى : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 1 » . الثالث : كان أبو حنيفة سيفا على الدهرية وكانوا ينتهزون الفرصة في قتله فبينما هو قاعد في مسجده يوما إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله . فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا : هات . فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم : إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال ، مملوءة من الأثقال ، قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ، ورياح مختلفة ، وهي في هذه الأحوال تجري مستوية ، ليس لها ملاح يجريها ، ولا متعهد يحفظها . هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا ، هذا شيء لا يقبله العقل . فقال : أبو حنيفة يا سبحان اللّه إذا لم يجز في العقل سفينة تجري من غير متعهد ولا حافظ ، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ؟ فبكوا جميعا ، وقالوا : صدقت . واعلم أن هذه الدلالة مأخوذة من قوله سبحانه : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ « 2 » ومن قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها « 3 » الرابع : سألوا الشافعي [ رضوان اللّه عليه ] « 4 » عن الدليل عن الصانع فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها ، وريحها ، وصبغها : واحد . تأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم ، ويأكلها النحل فيخرج منه العسل ، وتأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك ، وتأكلها سائر الحيوانات فتفضل مع العفونة والفساد . فالذي دبر هذه الأجسام على هذه المناهج العجيبة : هو اللّه سبحانه .
--> ( 1 ) العنكبوت 65 . ( 2 ) الروم 25 . ( 3 ) الرعد 2 . ( 4 ) من ( س ) .